وجّه لسماحتكم سؤال حول رؤية الهلال، وكان الجواب الصادر من جهة المكتب هكذا: (في شهادة العدلين بالهلال لا بدّ أن تكون شهادتهما غير معارضة حكماً بشهادة أخرى، وإلّا فلا يؤخذ بها، فإذا أخبر الفلكيون بعدم كون الهلال قابلاً للرؤية بالعين المجرّدة وحصل الوثوق بصحّة ما يقولون فهذا يعني الوثوق بوقوع العدلين في الخطأ والاشتباه فتترك شهادتهما لذلك).
وعليه وجّهت بعض الأسئلة وهي:
١ـ الفلك من العلوم الظنّية، أمّا الرؤية بالعين المجرّدة فحجّة شرعية أمرنا الشارع بالتعبّد بها، فكيف يسقط العلم الظنّي لذلك؟
٢ـ لو كان هناك أكثر من شاهدين عدلين بالرؤية (أربعة أو ستّة أو ثمانية شهود بالرؤية) فهل هذا يعني وقوعهم بالخطأ والاشتباه وعليه تترك شهادتهم؟
٣ـ ما هي المراصد الفلكية التي يمكن الاعتماد عليها؟
٤ـ لو تفرّد فلكي في قولٍ وهو كون الهلال قابلاً للرؤية وفي مقابله مجموعة من الفلكيين أجمعوا بعدم كون الهلال قابلاً للرؤية، فهل يكون ذلك داخلاً تحت وثوق وقوع العدلين في الخطأ والاشتباه، بمعنى كون قول الفلكي الواحد خارقاً لإجماع الفلكيين؟
٥ـ نلاحظ في كثير من الإجابات وكثير من المسائل أنّ الركيزة الأساسية في إثبات الهلال هو الاطمئنان، ففي حالة ما إذا لم يحصل الاطمئنان بقول الفلكي بعدم كون الهلال قابلاً للرؤية بالعين المجرّدة وفي مقابل ذلك حصل الاطمئنان بقول الشاهدين إضافةً إلى عدالتهما، فهل يؤخذ بقول الشهود أم لا؟
٦ـ إذا لم يحصل الوثوق بقول الفلكيين بعدم الرؤية كما هو الحاصل عند بعض الفضلاء (حفظهم الله) وكثير من المؤمنين فما هو الحكم؟
٧ـ من أفطر على البيّنة ولم يكن يعلم بهذه المسألة، فهل يجب عليه قضاء ذلك اليوم؟ وكذلك من أفطر على قول الثقة المورث للاطمئنان هل يجب عليه الإعادة؟
٨ـ ما هي العبرة في ثبوت رؤية الهلال في بلدٍ ما لثبوتها في بلد آخر؟
الجواب
في الكلام المنقول أولاً خلطٌ بين أمرين:
الأوّل: إنّ من شروط حجيّة البيّنة على رؤية الهلال هو عدم العلم أو الاطمئنان باشتباههما، فإن حصل العلم أو الاطمئنان بذلك ولو من إخبار الفلكيين بكون الهلال بعدُ في المحاق فلا عبرة بالبيّنة.
الثاني: إنّ من شروط حجيّة البيّنة ــ أيضاً ــ أن لا يكون لها معارض حكمي، كما إذا استهلّ جماعة كبيرة من أهل البلد فادّعى الرؤية منهم عدلان فقط.
وأمّا الجواب على الأسئلة فهو كما يأتي:
١ـ إخبارات الفلكيين على قسمين:
فمنها ما يعتمد على الحسابات الرياضية ولا يتخلّلها الاجتهاد والحدس الشخصي، كإخبارهم عن زمان ولادة الهلال ووقت خروجه من المحاق ومقدار ارتفاعه فوق الأفق ونسبة القسم المنار منه ونحو ذلك، ولا يحدث اختلاف بين الفلكيين في هذا القسم. نعم، ربما يُخطئ أحدهم في المحاسبة.
ومنها ما يخضع للحدس والاجتهاد ويعتمد التجربة والممارسة، كقول بعضهم أنّ الهلال لا يكون قابلاً للرؤية إلّا إذا كان بارتفاع ٥ درجات فوق الأفق أو بحجم كذا أو يبعد كذا عن الشمس وأشباه ذلك، وفي هذا القسم يكثر الاختلاف في وجهات النظر.
فإذا كانت شهادة الشاهدين على رؤية الهلال مخالفة لإخبار الفلكيين من القسم الأوّل يحصل العلم والاطمئنان بخطأ الشهادة، كما إذا أخبروا وفق محاسبات دقيقة أنّ الهلال بعدُ في المحاق أو أنّه قد غرب قبل غروب الشمس ومع ذلك شهد اثنان أو أزيد برؤيته. وأمّا إذا كانت الشهادة مخالفة لإخبار الفلكيين من القسم الثاني فربما يحصل الاطمئنان بخطأ الشهادة وربما لا يحصل.
٢ـ قد ظهر الحال فيه ممّا مرّ.
٣ـ تقدّم ضابط ما يعتمد عليه من إخبار الفلكيين، والمراصد التي تشتهر بدقّتها معروفة في العالم.
٤ـ إذا كان الاختلاف في ذلك ناشئاً من الاختلاف في الحدس والتجربة (القسم الثاني المتقدّم) فقد تقدح مخالفة فلكي معروف بدقّته في حصول الاطمئنان بخطأ الشهادة.
٥ـ إذا لم يحصل الاطمئنان بخطأ الشاهدين العادلين يؤخذ بشهادتهما بشرط عدم وجود المعارض الحكمي، كما تقدّم.
٦ـ كلٌّ يعمل وفق علمه أو اطمئنانه.
٧ـ إذا لم يظهر له الخلاف فلا شيء عليه في إفطاره.
٨ـ العبرة بالعلم بأنّ التمكّن من رؤية الهلال في أحد المكانين يلازم التمكّن من رؤيته في المكان الثاني لولا السحاب ونحوه من الموانع الطارئة.
وهذا يختلف باختلاف الأماكن بل باختلاف الأشهر والأزمنة، فقد يكون التمكّن من رؤية الهلال في استراليا مثلاً مستلزماً للتمكّن من رؤيته في العراق، وفي شهر آخر لا يكون كذلك لكون الهلال في استراليا في هذا الشهر مرتفعاً جدّاً وإن كان ضعيفاً فيكون قابلاً للرؤية، وأمّا في العراق فهو على الرغم من زيادة حجمه إلّا أنّه يكون عند الغروب قريباً من الأفق، فلا يمكن رؤيته.