رواية 36 — كتاب الطهارة
فأما ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال عن عمرو بن سعيد المدايني عن مصدق بن صدقة عن عمار بن موسى عن أبي عبد الله عليهالسلام في الرجل يتوضأ الوضوء كله الا رجليه ثم يخوض الماء بهما خوضا قال : أجزأه ذلك. فهذا الخبر محمول على حال التقية ، فأما مع الاختيار فانه لا يجوز إلا المسح عليهما على ما بيناه ، فان قال قائل ما أنكرتم أن يكون ما اعتمدتموه في الآية من القراءة بالجر لا يوجب المسح وإنما يفيد اشتراك الرجل بالرأس في الاعراب لا أن يوجب اشتراكهما في الحكم فيكون ذلك على المجاورة كما جاء في كثير من كلام العرب مثل قولهم (جحر ضب خرب) وان كان خرب من صفات الجحر لا الضب وإنما جر لمجاورته للضب وكما قال الشاعر : والمزمل من صفات الكبير لا البجاد ، وكما قال الاعشى : وعلى هذا لا ينكر أن تكون الارجل مغسولة وان كانت مجرورة. قلنا هذا باطل من وجوه (أحدهما) انه لا خلاف بين أهل العربية في أن الاعراب بالمجاورة لا يتعدى إلى غيرها وما هذه منزلته في الشذوذ والخروج عن الاصول لا يجوز أن يحمل كلام الله تعالى عليه. (وثانيها) ان كل موضع أعرب بالمجاورة مما ذكره السائل ومما لم يذكره مفقود منه حرف العطف الذي تضمنته الآية وعليه اعتمدنا في تساوي حكم الارجل والرؤوس ، فلو كان ما أورده من حكم المجاورة يسوغ القياس عليه لكانت الآية خارجة عنه لتضمنها من دليل العطف ما فقدنا في المواضع المعربة بالمجاورة ، ولا شبهة على أحد ممن يفهم العربية في أن المجاورة لا حكم لها مع العطف. (وثالثها) ان الاعراب بالجوار إنما استحسن بحيث ترتفع الشبهة في المعنى ألا ترى ان الشبهة زائلة في كون خرب صفة للضب والمعرفة حاصلة بانه من صفات الجحر وكذلك قوله : مزمل معلوم انه من صفات الكبير لا البجاد ، وليس هكذا الآية لان الارجل يصح أن يكون فرضها المسح كما يصح أن يكون الغسل ، والشك في ذلك واقع غير ممتنع فلا يجوز اعمال المجاورة فيها لحصول اللبس والشبهة ، ولخروجه عن باب ما عهد استعمال القوم الجوار فيه ، فأما البيت الذي انشدوه للاعشى فقد أخطأوا في توهمهم ان هناك مجاورة وإنما جر ثواء بالبدل من الحول والمعنى لقد كان في ثواء ثويته تقضي لبانات ، وهذا القسم من البدل هو بدل الاشتمال كما قال تعالى : (قتل أصحاب الاخدود النار) وقال : (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه . فان قيل : كيف ادعيتم ان المجاورة لا حكم لها مع واو العطف مع قوله تعالى : (يطوف عليهم ولدان مخلدون باكواب وأباريق) إلى قوله : (وحور عين) فخفضهن بالمجاورة لانهن يطفن ولا يطاف بهن ومثل ذلك أيضا قول الشاعر : فخفض موثقا بالمجاورة للمنفلت وكان من حقه أن يكون مرفوعا لان تقدير الكلام لم يبق الا أسير وموثق. قلنا : أول ما يبطل هذا الكلام انه ليس جميع القراء على جر (حور عين) بل أكثر قراء السبعة على الرفع وهم نافع وابن كثير وعاصم في رواية وأبو عمرو وابن عامر ، والذي جر حمزة والكسائي وفي رواية المفضل عن عاصم وقد حكي انه كان ينصب (وحورا عينا) وللجر وجه غير المجاورة وهو انه لما تقدم قوله تعالى : (أولئك المقربون في جنات النعيم عطف بحور عين على جنات النعيم فكأنه قال هم في جنات النعيم وفي مقارنة أو معاشة حور العين وحذف المظاف وهذا وجه حسن ذكره أبو علي الفارسي في كتاب الحجة في القراءة ، فأما البيت الذي انشده السائل فعلى خلاف ما توهمه لان معنى قوله لم يبق الا أسير أي لم يبق غير أسير وغير تعاقب إلا في الاستسناء ، ثم قال وموثق بالجر عطفا على المعنى وعلى موضع أسير ، فكأنه قال لم يبق غير اسير وغير منفلت ولم يبق غير موثق ، فأما قول الشاعر : يمكن أن يكون الوجه في خاطب الرفع وإنما جر الراوي وهما ويكون عطفا على راحل ويمكن أن يكون المراد بخاطب الامر وإنما جر لاطلاق الشعر. فان قيل : ما انكرتم على تسليم ايجاب الآية لمسح الرجلين أن يكون المسح بمعنى الغسل لان المسح عند العرب هو الغسل الخفيف حكي ذلك عن أبي زيد الانصاري واستشهد بقولهم : « تمسحت للصلاة « فسموا الغسل مسحا وعلى ذلك حمل المفسرون قوله تعالى :
#دلالة_قراءة_وأرجلكم_بالجر_على_المسح#كيفية_الوضوء_وفرائضه